فخر الدين الرازي
86
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : في لفظة الصلاة قولان : أحدهما : المراد منه المسجد ، وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ، وإليه ذهب الشافعي . واعلم أن إطلاق لفظ الصلاة على المسجد محتمل ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه يكون من باب حذف المضاف ، أي لا تقربوا موضع الصلاة ، وحذف المضاف مجاز شائع ، والثاني : قوله : لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ [ الحج : 40 ] والمراد بالصلوات مواضع الصلوات ، فثبت أن إطلاق لفظ الصلاة والمراد به المسجد جائز . والقول الثاني : وعليه الأكثرون : أن المراد بالصلاة في هذه الآية نفس الصلاة ، أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى . واعلم أن فائدة الخلاف تظهر في حكم شرعي ، وهو أن على التقدير الأول يكون المعنى : لا تقربوا المسجد وأنتم سكارى ولا جنبا إلا عابري سبيل ، وعلى هذا الوجه يكون الاستثناء دالا على أنه يجوز للجنب العبور في المسجد ، وهو قول الشافعي . وأما على القول الثاني فيكون المعنى : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ، ولا تقربوها حال كونكم جنبا إلا عابري سبيل ، والمراد بعابر السبيل المسافر ، فيكون هذا الاستثناء دليلا على أنه يجوز للجنب الاقدام على الصلاة عند العجز عن الماء . قال أصحاب الشافعي : هذا القول الأول أرجح ، ويدل عليه وجوه : الأول : أنه قال : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ والقرب والبعد لا يصحان على نفس الصلاة على سبيل الحقيقة ، إنما يصحان على المسجد . الثاني : أنا لو حملناه على ما قلنا لكان الاستثناء صحيحا ، أما لو حملناه على ما قلتم لم يكن صحيحا ، لأن من لم يكن عابر سبيل وقد عجز عن استعمال الماء بسبب المرض الشديد ، فإنه يجوز له الصلاة بالتيمم ، وإذا كان كذلك كان حمل الآية على ذلك أولى . الثالث : إنا إذا حملنا عابر السبيل على الجنب المسافر ، فهذا إن كان واجدا للماء لم يجز له القرب من الصلاة البتة ، فحينئذ يحتاج إلى إضمار هذا الاستثناء في الآية ، وإن لم يكن واجدا للماء لم يجز له الصلاة إلا مع التيمم ، فيفتقر إلى إضمار هذا الشرط في الآية ، وأما على ما قلناه فانا لا نفتقر إلى إضمار شيء في الآية فكان قولنا أولى . الرابع : أن اللَّه تعالى ذكر حكم السفر وعدم الماء ، وجواز التيمم بعد هذا ، فلا يجوز حمل هذا / على حكم مذكور في آية بعد هذه الآية ، والذي يؤكده أن القراء كلهم استحبوا الوقف عند قوله : حَتَّى تَغْتَسِلُوا ثم يستأنف قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى لأنه حكم آخر . وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا لم نحتج فيه إلى هذه الإلحاقات فكان ما قلناه أولى . ولمن نصر القول الثاني أن يقول : إن قوله تعالى : حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ يدل على أن المراد من قوله : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ نفس الصلاة لأن المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع السكر منه ، أما الصلاة ففيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها ، فكان حمل الآية على هذا أولى ، وللقائل الأول ان يجيب بأن الظاهر أن الإنسان إنما يذهب إلى المسجد لأجل الصلاة ، فما يخل بالصلاة كان كالمانع من الذهاب إلى المسجد فلهذا ذكر هذا المعنى . المسألة الثالثة : قال الواحدي رحمه اللَّه : السكارى جمع سكران ، وكل نعت على فعلان فإنه يجمع على : فعالي وفعالي ، مثل كسالى وكسالى ، وأصل السكر في اللغة سد الطريق ، ومن ذلك سكر البثق وهو سده ، وسكرت عينه سكرا إذا تحيرت ، ومنه قوله تعالى : إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا [ الحجر : 15 ] أي غشيت فليس